مرحلة إداريّة جديدة في المدرسة الإبتدائية
مسيرة عطاء… محبة… ورسالة
المربية راغدة شاما داود تودّع الإدارة بعد أكثر من أربعة عقود من التربية والقيادة وصناعة الأثر
هناك مسيرات مهنية تُقاس بعدد السنوات، وهناك مسيرات تُقاس بحجم الأثر الذي تتركه في الإنسان والمكان. ومسيرة المربية والمديرة راغدة شاما داود هي من تلك المسيرات التي اجتمع فيها الاثنان معًا: سنوات طويلة من الخدمة، وأثر تربوي وإنساني سيبقى حاضرًا في ذاكرة أجيال من الطلاب والمعلمين والأهالي.
بدأت المربية راغدة مسيرتها التربوية عام 1983 في مدرسة راهبات الناصرة، مربيةً ومعلمةً حملت رسالتها بشغف وإخلاص، وآمنت منذ خطواتها الأولى بأن التعليم ليس مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية وأمانة تجاه الإنسان.
ومع السنوات، تدرجت في المسؤوليات، فتولت مهمة مركزة موضوع الرياضيات ، وكانت عضوًا فاعلًا في الطاقم القيادي للمدرسة، كما تولت مسؤولية الحذر على الطرق، ونجحت مع طاقمها في قيادة المدرسة إلى المرتبة الأولى في الوسط العربي في إحدى المسابقات المدرسية في هذا المجال.
ومن المحطات الريادية في مسيرتها خلال تلك المرحلة، تأسيس أول مركز للرياضيات في المدرسة، ليشكّل مساحة تعليمية متطورة تخدم الطلاب والمعلمين، وتسهم في تعزيز التفكير الرياضي وتطوير أساليب التعليم والتعلّم.
عطاء تجاوز حدود المدرسة
لم يقتصر حضور المربية راغدة على المدرسة التي عملت فيها، بل امتدت خبرتها إلى أطر تربوية أوسع، فعملت مرشدة في وزارة المعارف ، كما عملت مرشدة في مركز الرياضيات في كلية أورنيم، وأسهمت من خلال عملها في مرافقة المعلمين وتطويرهم المهني ونشر طرائق وأساليب تعليم حديثة ومبتكرة.
وفي عام 2009 ، انضمت إلى طاقم المحاضرين في الكلية العربية لإعداد المعلمين في حيفا ، حيث عملت محاضرة ومرشدة، واضعةً خبرتها الطويلة في خدمة أجيال جديدة من المربين والمعلمين.
عام 2014… بداية فصل جديد من القيادة
في عام 2014 ، انتقلت المربية راغدة إلى محطة جديدة ومميزة في حياتها المهنية، عندما تسلمت إدارة مدرسة تراسنطا – الكرمليت ، لتبدأ مسيرة امتدت اثني عشر عامًا من القيادة والعطاء والتطوير.
ومنذ اليوم الأول، حملت الرسالة الفرنسيسكانية بمحبة وأمانة وإخلاص، وآمنت بأن المدرسة لا يمكن أن تكون جدرانًا وصفوفًا ومناهج فحسب، بل يجب أن تكون بيتًا يحتضن الإنسان، ومساحةً تنمو فيها المعرفة إلى جانب القيم، ومكانًا يتعلم فيه الطالب كيف يحب ويعطي وينتمي ويخدم الآخر.
لقد أحبت معلميها وطلابها وأهاليهم، وسعت بكل ما أوتيت من طاقة وخبرة إلى توفير الأفضل لهم تربويًا وتعليميًا وإنسانيًا.
مدرسة تتجدد… وتعليم يتجاوز جدران الصف
تميّزت سنوات إدارتها بروح التجديد والمبادرة. فعملت على تطوير المدرسة وبناء مراكز تعليمية في مجالات متعددة، وسعت إلى إحداث تغيير حقيقي في طرائق التعليم والتعلّم.
ومنذ سنوات مبكرة، أدخلت الألعاب التعليمية، والزوايا والمساحات التعليمية، والتعلّم خارج جدران الصف، انطلاقًا من إيمانها بأن الطالب يتعلم بصورة أفضل عندما يكون شريكًا في العملية التعليمية، وأن التعلّم يستطيع أن يكون ممتعًا، حيًا، مبدعًا وقريبًا من عالم الطفل.
كما أولت أهمية كبيرة للتكنولوجيا والابتكار، وشاركت مع طاقم المدرسة في العديد من المسابقات والمبادرات والمشاريع، وعملت على توفير وسائل وأدوات تكنولوجية حديثة أسهمت في تطوير البيئة التعليمية وخدمة الطلاب.
مدرسة منفتحة على مجتمعها
ومن السمات البارزة في قيادتها، إيمانها بأن المدرسة جزء لا يتجزأ من المجتمع. لذلك حرصت على بناء علاقات متينة مع الجمعيات، والحركات الكشفية، ومؤسسات المجتمع الحيفاوي، وفتحت أمام طلابها مجالات واسعة للمشاركة المجتمعية والتطوع والتبرع وخدمة الآخرين.
لقد أرادت لطلابها أن يتعلموا ليس فقط كيف ينجحون في الامتحانات، وإنما أيضًا كيف يكونون أشخاصًا مسؤولين، منتمين إلى مجتمعهم، يحملون قيم المحبة والعطاء واحترام الآخر.
الإنسان أولًا… وربما هذا هو الإنجاز الأجمل
ورغم كثرة المشاريع والإنجازات والمراكز والمبادرات، يبقى الإنجاز الأجمل في مسيرة المربية راغدة هو الإنسان.
لقد أحبت طاقمها، وآمنت بقدرات المعلمين والعاملين معها، ومنحتهم الثقة والمساحة والدعم، فبُنيت على مدار السنوات أسرة تربوية متماسكة، وفريق عمل محب وداعم ومخلص، استطاع أن يحمل المدرسة ورسالتها إلى الأمام.
فالقيادة الحقيقية ليست في إصدار التعليمات، وإنما في القدرة على بناء الإنسان، واكتشاف طاقاته، ومنحه الثقة ليبدع وينمو ويتحمل المسؤولية.
وهذا ما ميّز قيادة المربية راغدة.
نهاية وظيفة… وليست نهاية رسالة
واليوم، وهي تضع نقطة النهاية على فصل طويل ومشرّف من العمل الرسمي، فإنها لا تغادر دون أن تترك وراءها شيئًا؛ بل تترك إرثًا تربويًا وإنسانيًا كبيرًا.
ستبقى حاضرة في كل طالب تعلّم بين يديها، وفي كل معلم رافقته وشجعته، وفي كل إنسان شعر بمحبتها واهتمامها، وفي كل مركز وزاوية تعليمية ومبادرة ومشروع ساهمت في بنائه.
لقد كانت المربية راغدة شاما داود أكثر من مديرة مدرسة؛ كانت صاحبة رسالة، وقائدة تؤمن بالإنسان، ومربية بقيت روح المعلمة حاضرة فيها حتى آخر يوم من مسيرتها المهنية.
وبهذه المناسبة، أتقدم إليها، باسمي وباسم أسرة المدارس الكنسية، بأسمى آيات الشكر والتقدير على مسيرة امتدت لأكثر من أربعة عقود من التربية والتعليم والقيادة.
شكرًا لكِ على كل طالب احتضنتِه، وعلى كل معلم دعمتِه، وعلى كل مبادرة صنعتِها، وعلى كل ساعة عمل وعطاء وتضحية قدمتِها بصمت ومحبة.
نسأل الله أن يبارك حياتكِ، وأن يمنحكِ الصحة والعافية والطمأنينة، وأن يكون هذا الفصل الجديد من حياتك مليئًا بالفرح والراحة، وأن تنظري دائمًا بفخر إلى الثمار التي زرعتِها طوال هذه السنين.
لأن العطاء الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الوظيفة… والأثر الطيب يبقى.
المربية شيرين أبو رحمون… استمرارية للرسالة
وفي هذه المناسبة، نبارك أيضًا للمربية شيرين أبو رحمون اختيارها لإدارة المرحلة الابتدائية ، متمنين لها كل النجاح والتوفيق والتألق في رسالتها الجديدة.
نرجو لها مسيرة مفعمة بالحكمة والمحبة والإبداع، وأن تواصل، بالتعاون مع الأسرة التربوية، البناء على ما تحقق، وأن تقود المدرسة نحو المزيد من النجاحات والإنجازات، واضعةً مصلحة الطالب والإنسان في مركز العمل التربوي.
كلمة شكر لمدير عام ولرئيس المدرسة وممثل المالك
ولا يمكن الحديث عن هذه المسيرة وعن استمرارية رسالة المدرسة دون أن نتقدم بمحبة وتقدير كبيرين إلى رئيس ومدير عام المدرسة وممثل المالك، قدس الأب الراهب قدس الاب اسامة بحبح، على عمله المتواصل، ومحبته للمدرسة وطلابها وطاقمها، وعلى خدمته التي يقدمها دون كلل أو ملل.
إن نجاح أي مؤسسة تربوية هو ثمرة شراكة حقيقية بين الإدارة والطاقم والمالك والأهل والمجتمع ، وهذه الشراكة هي التي تمنح المدرسة قوتها وقدرتها على الاستمرار والتطور.
للمربية راغدة شاما داود نقول اليوم:
شكرًا على مسيرة العطاء…
شكرًا على المحبة…
شكرًا على الأمانة…
وشكرًا على رسالة ستبقى ثمارها حاضرة لأجيال قادمة.
مع خالص المحبة والتقدير،
الشماس جريس منصور
مفتش المدارس الكنسيّة